علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )
123
تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )
ربك قبل أن لا أبقي من قومك أحدا إلا قتلته فهدأ الدم باذن اللّه تعالى ، ورفع بيورزاذان عنهم القتل وقال : آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل ، وأيقنت أنه لا رب غيره . وقال لبني إسرائيل : إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره ، وإني لا أستطيع أن أعصيه قالوا له افعل ما أمرت به ، فأمرهم فحفروا خندقا ، وأمرهم بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم فذبحها حتى سال الدم في العسكر ، وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوه على ما قتل من المواشي ، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من دماء بني إسرائيل فلما بلغ الدم عسكره ، أرسل إلى بيورزاذان أن ارفع عنهم القتل ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد يفنيهم ، ونهى الوقعة الأخيرة التي أنزل اللّه ببني إسرائيل في قوله لتفسدن في الأرض مرتين فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده ، والأخرى خردوش وجنوده وكانت أعظم الوقعتين ، فلم تقم لهم بعد ذلك راية وانتقل الملك بالشام ونواحيها إلى الروم واليونانيين ، إلا أن بقايا بني إسرائيل كثروا وكانت لهم الرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك ، وكانوا في نعمة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث فسلط اللّه عليهم ططوس ابن أسبيانيوس الرومي ، فخرب بلادهم وطردهم عنها ، ونزع اللّه عنهم الملك والرياسة وضربت عليهم الذلة والمسكنة ، فما لبثوا في أمة إلا وعليهم الصّغار والجزية وبقي بيت المقدس خرابا إلى خلافة عمر بن الخطاب فعمره المسلمون بأمره ، وقيل في سبب قتل يحيى عليه السلام : أن ملك بني إسرائيل كان يكرمه ويدني مجلسه ، وأن الملك هوى بنت امرأته ، وقال ابن عباس ابنة أخيه فسأل يحيى تزويجها فنهاه عن نكاحها ، فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى وعمدت حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستها الحلي ، وأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه فإن هو راودها عن نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها ما سألت سألت رأس يحيى بن زكريا ، وأن يؤتى به في طست ففعلت فلما راودها قالت : لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك قال فما تسأليني قالت : رأس يحيى بن زكريا في هذا الطست فقال ويحك سليني غير هذا . قالت : ما أريد غير هذا فلما أبت عليه ، بعث فأتي برأسه حتى وضع بين يديه والرأس يتكلم يقول : لا يحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي ، فأمر بتراب فألقي عليه فرقى الدم يغلي فلا زال يغلي ، ويلقى عليه التراب ، وهو يغلي حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يرقى ويغلي وسلط اللّه عليهم ملك بابل فخرب بيت المقدس ، وقتل سبعين ألفا حتى سكن دمه قوله عز وجل : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 8 إلى 19 ] عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ( 8 ) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 10 ) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً ( 11 ) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً ( 12 ) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ( 15 ) وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 17 ) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 )